ابن الأثير

192

الكامل في التاريخ

مصر ، فدخل إليه مؤيّد الدولة بن منقذ ، وهو عند أبيه عبّاس . قال له نصر : قد أقطعني مولانا قرية قليوب . فقال له مؤيّد الدولة : ما هي في مهرك بكثير ، فعظم عليه وعلى أبيه ، وأنف من هذه الحال ، وشرع في قتل الظافر بأمر أبيه ، فحضر نصر عند الظافر وقال له : أشتهي أن تجيء إلى داري لدعوة صنعتها ، ولا تكثر من الجمع ، فمشى معه في نفر يسير من الخدم ليلا ، فلمّا دخل الدار قتله وقتل من معه ، وأفلت خادم صغير اختبأ فلم يروه ، ودفن القتلى في داره . وأخبر أخاه عبّاسا الخبر ، فبكّر إلى القصر ، وطلب من الخدم الخصيصين بخدمة الظافر أن يطلبوا له إذنا في الدخول عليه لأمر يريد أن يأخذ رأيه فيه . فقالوا : إنّه ليس في القصر . فقال : لا بدّ منه . وكان غرضه أن ينفي التهمة عنه بقتله ، وأن يقتل من بالقصر ممّن يخاف أن ينازعه فيمن يقيمه في الخلافة ، فلمّا ألح عليهم عجزوا عن إحضاره . فبينما هم يطلبونه حائرين دهشين لا يدرون ما الخبر إذ وصل إليهم الخادم الصغير الّذي شاهد قتله ، وقد هرب من دار عبّاس عند غفلتهم عنه ، وأخبرهم بقتل الظافر ، فخرجوا إلى عبّاس ، وقالوا له : سل ولدك عنه فإنّه يعرف أين هو لأنّهما خرجا جميعا . فلمّا سمع ذلك منهم قال : أريد أن أعتبر القصر لئلّا يكون قد اغتاله أحد من أهله ، فاستعرض القصر ، فقتل أخوين للظافر ، وهما يوسف وجبريل ، وأجلس الفائز بنصر اللَّه أبا القاسم عيسى بن الظافر بأمر اللَّه إسماعيل ثاني يوم قتل أبوه ، وله من العمر خمس سنين ، فحمله عبّاس على كتفه وأجلسه على سرير الملك وبايع له النّاس ، وأخذ عبّاس من القصر من الأموال والجواهر والأعلاق النفيسة ما أراد ، ولم يترك فيه إلّا ما لا خير فيه .